LOADING

Type to search

الهجرة في الزمن

GB Geo-Blog

الهجرة في الزمن

انتربولوجيا الاقتصاد الاميركي 8

لماذا لا تستطيع السيارات الأميركية الممتازة ان تنافس بي ام دبليو التي تملك هي الأخرى مصانع في الولايات المتحدة الأميركية؟ بل لماذا لم تعد شركات السيارات الاميركية تطمح إلى مثل هذه المنافسة؟ ذلك ان آخر ما تخشاه شركة دايملر او بي ام دبليو او قطاع السيارات الفخمة في شركة فولزفاغن الألمانية هو المنافسة اليابانية. إذ تتربع هذه الشركات على عرش السيارات الفخمة من دون منازع على الإطلاق. فيما وجدت سيارات لكزس وانفينيتي ضالتها وخصمها في السيارات الفخمة الاميركية فنافستها في السوق واكلت من حصتها العالمية. ثمة اجابة واضحة عن هذا التساؤل تكمن في استقراء المعاني الكامنة في الرغبة الحادة باستمرار الفتوحات الأميركية وتغذية هذا الشغف على الدوام بدماء جديدة كل حين، ذلك ان هذه التغذية لا تتم بنجاح من دون سحب الدم مما يمكن ان نسميه تراثاً وسمعة. ليس ثمة تراث في الصناعة الأميركية يغوي الأميركيين للمحافظة عليه. بالأحرى ثمة استشعار لهذا النقص الفادح يتمظهر كل حين على مستوى صناعة السيارات بإعادة انتاج نسخ مجددة من السيارات التي لاقت رواجاً في الخمسينات والستينات، من فورد موستانغ إلى دودج تشارجر وكورفيت، في مسعى لا يخفي الرغبة بجعل هذه الصناعة ذات تراث وتاريخ، لا تستطيع السيارات الكورية او اليابانية ان تدعيه. لكن استعادة المجد الستيني، نسبة إلى ستينات القرن الماضي، لا تستطيع ان تجاري في صناعة السمعة والتراث الصناعي ما تملكه مرسيدس بنز واودي ورولز رويس وفيراري

لا يتردد فلدشتاين في دعوة الشركات الثلاث إلى اعلان الإفلاس وإقلاع السلطات الفدرالية عن وضع اموال دافعي الضرائب الأميركيين في ثقب شركات السيارات الأسود إذا لم تثبت هذه الصناعة احقيتها في الوجود وقدرتها على المنافسة والربح. لكن احداً لا ينكر خطورة اللجوء إلى مثل هذا الإجراء، بسبب من ضخامة هذه الصناعة وارتباط ما يقرب من تسعة اعشار الوظائف الأميركية بهذه الصناعة. لولا هذه العملقة التي ما زالت هذه الصناعة عليها، لما تردد احد في تجاهل صرخة الصانعين. وترك هذه الصناعة تواجه مصيرها المحتوم تماماً مثلما واجهت صناعات اخرى مصيراً اسوأ، من صناعة الالكترونيات وصولاً إلى صناعة النسيج. اليوم لم يعد ثمة ادوات الكترونية تباع في اميركا من صنع محلي، ويصعب ان تجد ثوباً لم تتم خياطته ونسج خيوطه في الهند او الصين

هذه القسوة في التعامل مع مصائر الصناعات الأميركية ناجمة على الأرجح من تراث الأميركيين كمهاجرين ومكتشفين وفاتحين، ومن شجاعتهم في اكتشاف المجهول وارتياد الأراضي البكر والبور، منذ ان تأسست اميركا. ولهذه الأسباب ليس ثمة من شك في ان المسعى الأميركي العام يأنف من المنافسة ويحبذ المغامرة والاكتشاف. هكذا لم يلبث الاقتصاد الأميركي بعد ازمة السبعينات والثمانينات التي طاولت ما يصطلح على تسميته بالاقتصاد الحقيقي، ان فتح حقولاً بكراً في الاقتصاد، امتدت من ثورة الاتصالات الالكترونية التي ما زالت معقودة اللواء بغالبها الأعم للأميركيين وصولاً إلى صناعة الكفالات والتأمينات مروراً بصناعة الصورة المزدهرة، وانتهاء بأسواق الأسهم التي انفجرت فقاعتها في منتصف ايلول – سبتمبر من العام 2008

ومن نافل القول ان الأزمة الحالية اثّرت كثيراً على اسعار النفط وحدت كثيراً من الاستهلاك الأساسي في اميركا والعالم كله، لكنها لم تؤثر على اسعار البرامج التي تشغل الحواسيب في العالم كله، وهي على ما نعلم من صنع اميركي على وجه العموم، ولم تجعل من صناعة الصورة بضاعة كاسدة. فما زالت الصور والمعلومات التي تصدر عن اميركا تباع وتشرى في انحاء العالم كله، ولم تضع الأزمة الحالية السينما الصينية في موقع قادر على منافسة السينما الأميركية، ناهيك عن ان احتكار اميركا للشطر الأوسع من صناعة الإعلام التي تغذت من فصول هذه الأزمة على نحو لا سابق له.

على مثل هذه الصناعات المبتكرة، من برامج الحواسيب إلى محركات البحث على شبكة الانترنت، مروراً بصناعة السينما وتأويل الصور وقراءة المؤشرات، الاقتصادية والثقافية والأمنية، التصقت اميركا الدولة بأميركا العولمة، وغالباً ما جرى الخلط بينهما على نحو لا دقة فيه. فوسمت اميركا بالعولمة ووسمت العولمة بها. لكن اميركا مثلما نعلم بلد له حدود مثل كل بلاد العالم، وغالباً ما تتعارض النشاطات المعولمة مع مصالح بعض الفئات الاجتماعية فيه، لكن ذلك لم يلفت انتباه المحللين الذي نسبوا اميركا إلى العولمة وجعلوا من كيانين مختلفين ومتعارضين كياناً واحداً لا شقوق فيه. ومن دون الخوض في إعادة تعريف العولمة، سلطات ومصالح واتجاهات، ليس ثمة مجال للتعرف مرة اخرى إلى ما يسميه بول كروغمان، حائز جائزة نوبل في الاقتصاد، ملامح الأزمة القادمة وهو يدعو إلى الاستعداد لمواجهتها منذ الآن

The opinions expressed in this blog are strictly personal and do not reflect the views of Global Brief or the Glendon School of Public and International Affairs.

الآراء الواردة في هذا البلوغ هي اراء شخصية ولا تعبر عن وجهة نظر غلوبال بريف او غلندون سكول اوف بابليك اند انترناشونال افيرز

Categories:

Leave a Comment